بقلم: د. الشيخ بوسعيد
رغم التطور الذي شهدته البلدان العربية في العقود الأخيرة، فانها ما تزال تعاني من مظاهر التخلف الإقتصادي و التبعية للغرب ، حيث انها لم تحقق لحد الان الثورة الصناعية الاولى ، مع العلم ان الدول الغربية تمر حاليا بالمرحلة الثالثة من الثورة الصناعية، كما ان اقتصاديات الدول العربية ما تزال متعثرة و مشوهة سواء كانت زراعية او نفطية ، كما ان الصناعة ايضا ضعيفة و مشوهة البنية حتى في اكثرها تقدما ، بالاضافة الى تخلف في البيئة الاجتماعية و ظهور و إنتشار الفقر و الأمية و البطالة و عدم الاستقرار السياسي في بعض الدول .
لم تكن العولمة شعار ترفضه القوى الرأسمالية من اجل إسعاد الشعوب ، و لا رمزا لمساعدة الدول الضعيفة ، بل هي نتيجة متقدمة للإمبريالية، و هدفا للهيمنة الرأسمالية على دول العالم الثالث، وصيحة لاستنفار جميع القوى الرأسمالية من أجل سلب كافة الدول التي لا تتمتع باقتصاد قوي ، وان النزعة نحو توحيد العالم و إقامة نظام عالمي جديد يسيطر على النظم الاقتصادية و السياسية و الثقافية، حيث ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، و خاصة بعد سقوط النظام السوفياتي السابق .
لم تصمد هذه الدولة العجوز امام موجة ارتدادية و متعثرة من الربيع العربي ، فقاومتها بالقوة العارية المنفلتة من كل قيد و لو شكليا ، فكان مصيرها السقوط السياسي و الأخلاقي المريع .
و لا تزال هذه الدولة تحاول مقاومة الزمن و اطالة عمرها الإفتراضي الذى انتهى ، فيزداد معدل سقوطها ، من اشاعة الخوف و الفوبيا و تغذية الانقسامات الطائفية و المذهبية و افتعال أزمات إقليمية، بغرض القفز الى الامام و الهروب من استحقاقات الاصلاح و التغيير و الديموقراطية .
لا أمل في نهوض عربي جاد في الامد المنظور ، و لا يبدو ان ثمة مخرجا يلوح في الأفق للأزمة السياسية التي تعيشها الدولة العربية في حالتها الراهنة ، وهي التي تقاوم السقوط باجترار مزيد من مسبباته . حقيقية يؤكدها تداعي الأحداث من المحيط الى الخليج، ليس بالضرورة ان يكون النهوض جماعيا ، في ظل سقوط مشاريع الوحدة و الأمة واحدا تلو آخر، و لكن أيضا لا امل في نهوض فردي على مستوى الدول و المجتمعات ، بل على العكس ، فلربما نشهد سقوط دول و تفكك مجتمعات جديدة خلال الامد نفسه، و هو سقوط اغلبه حر ، اي يحدث بأيدي العرب قرارات ، و نتيجة قرارات من بيده امرهم ، بدون تقليل من دور العامل الخارجي بالطبع.
و على الرغم من ان السقوط العربي ، و الذي نعني به فشل المشروع السياسي و الإجتماعي للدولة العربية " الحديثة " ، قد بدأ منذ ولادة هذه الدولة ذاتها ، و بفعل تناقضاتها التي بدأت اوائل القرن العشرين، فإنه قد انكشف و تعرى بشكل كبير ، خلال العقد الأول من الألفية الثانية ؛ فقد إنتهى المشرق العربي كما عرفناه طيلة القرن العشرين، بدءا بسقوط بغداد سنة 2003 بفعل الغزو الامريكي للعراق ، و بالدعم او الصمت العربي الذي لازمه ، مرورا بسقوط غيرها من الحواضر و العواصم العربية التي ظلت تقاوم التغيير و الاصلاح السياسي عقودا طويلة من الزمن ، فكان السقوط هو البديل الوحيد لمدواة جمودها و عناد من يحكمونها . و الآن ، يصل يصل السقوط الى محطة جديدة ، وهي المحطة الخليجية التي ظلت متماسكة، بحكم التاريخ و التقاليد و الأعراف و الروابط القبلية، قرونا ، فتدخل دولها في صدام وجودي ، تسل فيه السيوف ضد بعضها البعض، و تتسابق قياداتها الجديدة بإتجاه التقارب و التحالف مع أطراف إقليمية - كانت حتى وقت قريب - تصنف في خانة المنافسين و الأعداء، بل و يجري الحديث علنا عن تغيير انظمة سياسية بالقوة و ازاحة عائلات حاكمة عن السلطة، و التنصل من روابط الدم و القربى . في حين تتأرجح عواصم كبرى ، كالقاهرة بين سقوط حر و استبداد خانق يستحضر كل الإرث السلطوي الفرعوني ، و لكن بدون انجاز يذكر.
و خلاصة القول ، فإن دول العالم العربي تقف اليوم في مفترق طرق حاسم ، و اذا كانت المصالح الذاتية و الآنية لبعض ذوي القرار و ذوي الرأي تدفعهم لنهج أيسر السبل، سبل التبعية و الخضوع السياسي و الذوبان الثقافي ، فإن تحديات العولمة - حالا و مستقبلا - ستؤكد ان الاختيار السليم ، و ان كان الأصعب، هو إختيار طريق المواجهة، عبر بناء الانسان و اعادة الإعتبار لقيمته كأساس لكل نهضة ، و الإعتماد على الذات كسبيل وحيد لتراكم ثمار المجهودات التنموية، كل ذلك لا يمكن ان يتأتى الا من خلال اندماج عربي اقتصادي، قوي و متكامل ، و الذي سيسمح مستقبلا في إقلاع حقيقي يساير متطلبات العصر.
و من المفارقات انه بينما تقاوم هذه الدولة سقوطها ، فإنها تدفع ، ربما بدون ان تدري ، الى الواجهة كل ما يعجل بهذا السقوط و يرفع فاتورته .
و لمعرفة عواقب عناد هذه الدولة، انظر فقط إلى ما جرى في العراق ، و يجري الآن في سورية و ليبيا و اليمن ، و ربما يأتي دور دول عربية اخرى في المستقبل القريب . و هو ما يذكرنا بالدول الأوروبية أواخر القرن الثامن عشر و اوائل القرن التاسع عشر التي سقطت، ليس بفعل ضعفها و تراجعها العسكري . فقد كانت متطورة بمعايير تلك الفترة ، و إنما بفعل فشلها في الاستجابة لمطالب الإصلاح و التغيير الداخلية . لا تكترث الدولة العربية بإتساع رقعة الرفض الشعبي لها و لسياساتها الداخلية و الخارجية، خصوصا بين الأجيال الجديدة الصاعدة ، و لا تعبأ كثيرا بمطالبهم و طموحاتهم بإتجاه التغيير . و هي تنطلق في علاقاتها بهم من منطق الوصايا السياسية و الأبوية المصحوبة بجهاز امني قمعي ، لا يتوانى عن الفتك و التخلص من كل الشباب المعارضين.
علينا إذن ان نتعايش مع حالة السقوط العربي الراهنة ، و ان نجهز انفسنا سنوات مقبلة، ان لم تكن عقودا ، من الصراع مع هذا النوع من الدول الساقطة اخلاقيا و الفاشلة سياسيا و القمعية امنيا . علينا ان نتعايش و ان نوطن انفسنا مع مآسي الدولة العربية التي تتضح بها كل يوم . و على الشباب العربي ، الذي يؤمن بالتغيير و برغب فيه ، ان يقاوم هذه الدولة سلميا من خلال الوعي بأزماتها و التعرف على نقط ضعفها ، و أن يلتحم بالمجتمع الذي يمكنه ان يقدم قوة موازنة لقوة الدولة المتسلطة ( المتدخلة ) . نقول هذا مع إدراكنا بصعوبة الاوضاع الإقتصادية و الإجتماعية و التعليمية و ماساويتها في بلداننا . و مع يقيننا بأن فاتورة التغيير لن تكون سهلة و ان إنجازه لن يكون سريعا ، لكته حتما قادم و هي معركة بحاجة الى نفس طويل و أجيال و عقول جديدة قادرة على حمابة و تحصين نفسها امام تغول مفهوم الدولة العميقة و غلقها المجال العام ، بما لايسمح بمتنفس ، و لو صغيرا ، خوفا من مطالب التغيير و الديموقراطية و الإصلاح.